هشام جعيط

36

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

أما عن الوفد الموجه إلى رستم ، فقد انتقى سعد قادة تقليديين من الرؤساء ، ولكنهم رجال الإسلام أيضا ، منهم ربعي بن عامر والمغيرة بن شعبة ، والنعمان بن مقرّن « 1 » . وما له دلالة كبيرة رواية الحوار الذي دار مع رستم ، وهو حوار كان بمثابة المواجهة الإيديولوجية التي سبقت الصدام المسلح . من البديهي أن هذه الرواية أعدت بالكوفة ، لكن متى ؟ هل تمت قبل انبثاق الشعوبية أم بعده ؟ هل كانت تعبر عن وعي بالارتباط بعملية الفتح فقط ، لكونها أساسا للسيطرة العربية التي كانت قائمة في مجتمع الكوفة ، فيما بين سنة 100 و 130 من الهجرة ؟ أم كانت تردّ ردّا غير مباشر على تشكيكات الشعوبية ، فقدمت صورة مرضية للعرب ، صورة شعب فتي متحمس يحتقر السهولة على طرفي نقيض مع صورة الفرس كشعب أبطره النعيم ؟ إن رواية الصورة الذاتية المعروضة تؤيد الفرضية الأولى ، فضلا عن أن الرواية المذكورة تشمل ذكريات كثيرة مستمدة من العصر الجاهلي . هناك جانب كبير من البناء الإيديولوجي تضمنه وصف ربعي الخشن والفظ تقريبا ؛ لكن مجموعة أسلحة المقاتل العربي جديرة بالاهتمام : إنه السيف المغمد في الخرق ، والرمح ، والترس من جلد البقر ، والدرع ، وهو سلاح لم يكن جيدا إلا قليلا « 2 » . وكذلك الأمر بالنسبة للصورة الأخلاقية التي قدمها العرب عن أنفسهم إلى رستم ، إذ من المناسب أن نميز بين الإسقاطات الاسترجاعية projections re ? trospectives ، ومبررات الفتح ، ومتبقيات الماضي الحي . ذلك أن الدوافع الاقتصادية طرحت في الميزان دون تحفظ ، ولعل الأمر كان جرى تعتيمه لو وضع الخبر في وقت متأخر : الجوع والبحث عن الأراضي الجيدة ، واشتهاء القمح واللحم ، والرغبة في النساء والأطفال ، فوقع التعبير عن كل هذه العناصر بصراحة لا تدانى . اعتداء من شعب على شعب ، نية الاستقرار ، العزم على الخروج من الجاهلية . كلّ هذا الذي نستشفه لدى الطبري في ذكره رؤية فتح العراق من الجانب العربي يبدو مقبولا إذا أرجعناه إلى الفترة المبكرة حتى ولو دونت الروايات في القرن الثاني من الهجرة « 3 » ، وهو وصف للعرب يظهرهم بأنهم كانوا على شعور من صلاتهم بالتاريخ . وما يبدو أيضا قابلا للاحتمال أن الدّعوة إلى اعتناق الإسلام قبل المعركة كانت فعلية « 4 » ، لكن الأشخاص الذي وفدوا على

--> - الشاعر : الطبري ، ج 3 ، ص 531 : لكن الرواية التي شاعت كثيرا عزت حبسه إلى السكر : مثلا ابن إسحاق حسب رواية الطبري ، ج 3 ، ص 573 ؛ والبلاذري ، ص 258 . ( 1 ) لكن الوفد المذكور لم يشتمل على كبار رؤساء الردة ، رغم تكاثر روايات المحاورة مع رستم . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 519 . ( 3 ) لا أقل من 13 خبرا في هذا الموضوع ، رواها سيف . ويبدو أن أكثر الأخبار استكمالا وطرافة هي أخبار محمد ، وطلحة ، وعمرو ، وزياد ، ص 518 - 521 . ( 4 ) البلاذري ، فتوح ، ص 257 .